السيد عبد الأعلى السبزواري

267

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

بالقدرة القاهرة الربوبية . ومنه يعلم الوجه في المعجزات الصادرة عن الأنبياء لا سيما نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) . وهذا مراد جمع من الفلاسفة والمتكلمين وتبعهم بعض المفسرين القدماء من أن المعجزة تجري بأسبابها الطبيعية ، أي أنها تجري في الممكنات الذاتية ، لا الممتنعات بأسبابها الطبيعية الظاهرة لمن جرت على يده المعجزات الخفية على غيره بل غير القابلة للظهور له . ومع ذلك إنّه تبارك وتعالى سلك في جريان الإعجاز مسلك الأسباب الظاهرية ، حفظا للنظام الأحسن الجاري في الأسباب والمسببات ، فإنه تعالى أبى أن تجري الأمور إلّا بأسبابها ، ولذا كان جريان الماء بضرب الحجر بالعصا ، وحمل مريم ابنة عمران بتمثل الروح الأمين لها وتسبيح الحصى في يدي نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، مع أنه تبارك وتعالى قادر على إيجاد هذه الأمور بغير تلك الأسباب أيضا . ومما ذكرنا يظهر أنّ جميع القوانين العلمية ، والمخترعات الحديثة وما يلحقها بعد ذلك لا ربط لها بالمعجزة وخارق العادة أصلا ، لأنها تجري وفق قوانين علمية ، أو عملية ثابتة مطردة حاصلة من التجربة بخلاف المعجزة فإنها سنة جديدة لم يألفها الإنسان ، ولا يعرف لها قاعدة مطردة ، وإنما تكون بإذن اللّه تبارك وتعالى . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 62 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) بعد أن ذكر تعالى بعض أحوال اليهود وتعداد النّعم عليهم وكفرهم وعنادهم عن الحق شرع في بيان أحوال المؤمنين من اليهود والنصارى والصابئين الذين عملوا الصالحات ، وما وعدهم بجزيل الأجر .